فلما نودي بالفجر تحسس القوم، ففزع أبو سفيان وقال: يا عباس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النداء بالصلاة، فتيسروا لحضور النبي ﷺ.
فلما أبصرهم أبو سفيان يمرون إلى الصلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النبي ﷺ قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟! فقال: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه! فقال: يا عباس، فكلمه في قومك! هل عنده من عفو عنهم؟
فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان. فقال أبو سفيان: يا محمد، إني قد استنصرت بإلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي. فلو كان إلهي محقا، وإلهك باطلا - ظهرت عليك، فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وقال عباس: يا رسول الله، إني أحب أن تأذن لي إلى قومك، فأنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله! فأذن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهد أن محمدا عبده ورسوله، وكف يده - فهو آمن. ومن جلس عند الكعبة، ووضع سلاحه - فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.
قال: يا رسول الله، أبو سفيان ابن عمنا، فأحب أن يرجع معي، فلو خصصته بمعروف! فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فجعل أبو سفيان يستفهمه، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، وقال: من دخل دارك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم في أسفل مكة.
وحمل النبي ﷺ العباس على بغلته البيضاء التي أهداها إليه دحية الكلبي، فانطلق العباس وأبو سفيان قد أردفه. ثم بعث النبي ﷺ في إثره، فقال: أدركوا العباس فردوه علي، وحدثهم بالذي خاف عليه. فأدركه الرسول، فكره عباس الرجوع، وقال: أترهب يا رسول الله أن يرجع أبو سفيان راغبا في قلة الناس، فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: احبسه! فحبسه.
فقال أبو سفيان: غدرا يا بني هاشم؟ فقال عباس: إنا لسنا بغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة. فقال: وما هي، فأقضيها لك؟ قال: إنما نفاذها حين يقدم عليك خالد بن الوليد والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك، وقد وعى منه أبو سفيان حديثه.