«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية».
فهذه كلها أفكار بعض الصوفية؛ إذ يزعمون أنهم في حالٍ من الترقي والتعبد حتى يصلوا إلى الكشف، وإذا وصلوا إلى مقام الكشف، فعند ذلك يسقطون عن أنفسهم جميع التكاليف.
فلا يرى الواحد منهم أنه مخاطب بأحكام العبودية، ويرى أنه قد وصل أي: قد انتهى، ورفعت عنه التكاليف. وهذا يفعله بعض المتصوفة اليوم، وهذا معلوم عند من يقرأ كلام المتصوفة، ويعلم أن عندهم في التعبد درجات، حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه الدرجة فإذا وصل إليها لا يخاطب بحلالٍ ولا بحرام.
ومن ذلك قول قائلهم:
يُطالب بالأوراد مَنْ كان غافلًا فكيف بقلبٍ كل أوقاته وِرْدُ
فإذا سئل أحد هؤلاء: لماذا لا تصلي الجمعة مع الناس؟ ولماذا لا تشهد الجماعة مع الناس؟
قال: هذه صلاة الغافلين، أما أنا فمع الله دائمًا.
فيفتَرون على الله ﷾ بمثل هذه المزاعم الكاذبة التي هي في حقيقتها افتراء وكذبٌ على دين الله ﷾، فأنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عندها عائشة ﵂: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غَفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:«أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟»(١).