للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه ﷿، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى» (١). ولما كان رسولنا أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له ﷿.

وهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء».

ومن نَظم شيخ الإسلام :

أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي

لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات

وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي

إلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات

ولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات

ولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات

والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي

وهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي

فَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي

والحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي» (٢).


(١) «الوابل الصيب» (ص ٧، ٨).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٥٢٠، ٥٢١).

<<  <  ج: ص:  >  >>