فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا، فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعلَه مخالفا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفا للسنة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى كذا المحل، وإذا جهر به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين، فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقرأءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضًا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنَّف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه (١)، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع. وليس مقصودنا إلا ذكر هديه - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله، وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدلّ ذلك على كراهة غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان.
وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال:"ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا"، وهو في "المسند"، والترمذي، وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرًا. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ}[الأعراف: آية ١٧٢] حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - الطويل، وفيه: وكان روح عيسى - عليه السلام - من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فأرسله الله في صورة بشر، فتمثل لها بشرا سويا، قال: فحملت الذي
(١) قلت: في تسويته رفع اليدين وتركه، ومثله الجهر بالتأمين مع أنواع التشهدات، وأنواع الأذان، وأنواع النسك فيه نظر، إذ ترك رفع اليدين، وعدم الجهر بالتأمين مخالف للسنة مخالفة بينة، فيعد فاعله مخالفا للسنة، فينكر عليه، وأما أنواع التشهدات، وأنواع الأذان، والنسك، فكلها ثابتة، فمن أخذ بواحدة منها، فقد أخذ بالسنة، فلا ينكر عليه. فتأمل. والله تعالى أعلم.