للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

والعشاء، والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم، على رعل، وذكوان، وعُصيّة، ويؤمن مَنْ خلفه. ورواه أبو داود (١).

وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي هذا، وهذا في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨].

وأما حديث ابن أبي فُدَيك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: "اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربَّنَا، وتعاليت". فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا، أو حسنا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا (٢)، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك. . . فذكره.

نعم صح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده"، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار (٣).

ولا ريب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله، وهذا ردّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل (٤) وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفِعلُهُ بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتركونه حيث تركه،


(١) وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ج ١ ص ٢٢٥، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) قال في "ت": عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري متروك.
(٣) متفق عليه.
(٤) فيه نظر لأن الثابت عن الحنفية أنه يشرع القنوت للنوازل في صلاة الفجر، كما قاله الطحاوي وغيره، انظر "حاشية ابن عابدين على الدر المختار" ج ٢ ص ١١.