﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز فإن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ خرج ونبينا ﷺ خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر ﵁ بسد أثقاب الغار وأعطى القوم التحرز حقه ثم توكلوا وقال ﷿ في باب الاحتياط: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ وهذا لأن الحركة للذب عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمة المبدأة يريد إظهار وداعه فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به لكن يجب استعمال ما عندك ثم أطلب ما عنده وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب وخلق للآدمي عقلا يقوده إلى حمل والأسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع ومن عطل نعمة الله بترك الاحتراز فقد عطل حكمته كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى لأن لا يرى إلا أن الحق ﷾ لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة فمنعه عطاء في المعنى وكم زين للعجزة عجوزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور حزما ومتى وضعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له قد جعلنا لعافيتك سببا فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب وما هذا إلى بمثابة من بين قراحة وماء الساقية رفسه بمسحاة فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا.
قال المصنف ﵀: فإن قال قائل كيف أحترز مع القدر قيل له وكيف لا تحترز مع
الأوامر من المقدر فالذي قدر هو الذي أمر وقد قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أنبأنا إسماعيل بن أحمد نا عاصم بن الحسين نا ابن بشران ثنا أبو صفوان نا أبو بكر القرشي ثني شريح بن يونس نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن