للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فصل: قال النوبختي قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا ويجده غيره حلوا قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه محدث عند من اعتقد حدوثه واللون جسم عند من اعتقده جسما وعرض عند من اعتقده عرضا قالوا فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد وهؤلاء من جنس السوفسطائية فيقال لهم أقولكم صحيح فسيقولون هو صحيح عندنا باطل عند خصمنا قلنا دعواكم صحة قولكم مردودة وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ومن شهد على قولهم

بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه ومما يقال لهم أتثبتون للمشاهدة حقيقة فإن قالوا لا لحقوا بالأولين وإن قالوا حقيقتها على حسب الاعتقاد فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين.

فصل: قال النوبختي ومن هؤلاء من قال إن العالم في ذوب وسيلان قالوا ولا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين لتغير الأشياء دائما فيقال لهم كيف علم هذا وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه.

[ذكر تلبيسه على الدهرية]

قال المصنف قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه وهل يشك ذو عقل في وجود صانع فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه فهذا المهاد الموضوع وهذا السقف المرفوع وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة أما تدل على صانع وما أحسن ما قال بعض العرب إن البعرة تدل على البعير فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على اللطيف الخبير ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا ولشفت غليلا فإن في هذا الجسد

<<  <   >  >>