فأما قولهم:«أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع» فيا لله العجب، كيف يقع الإجماع، وأحفظ أهل وقته للسنة، وأعلمهم بها هو المخالف؟ وما أحسن ما قال أبو بكر قاضى القضاة الشامى الشافعى، لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالى، واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامى: إذا كنت أنا الشيخ فى هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟ بك، وبأصحابك؟ هذا مع مخالفة فقيه الإسلام فى وقته الذى يقال:
إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعى أفقه منه، ومعه خلق من أئمة الفقهاء، والمناظرين والمحدثين، هذا فى الشام خاصة، دع المخالفين لهؤلاء، المجتمعين فى سائر بلاد المسلمين - بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين - مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم، ولم يكن فى المخالفين للحافظ من له خبرة بالسنة والحديث والآثار.
ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبى العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال: وكلاما من سيرة عنتر - فلا تميز بينهما - أو كما قال - فسكت الرجل.
وأما قولهم:«إن بنى الحنبلى، وافقوا الجماعة» فهذا إما أن يكون صحيحا، أو غير صحيح، فإن كان صحيحا، فهو تقية ونفاق منهم، وإلا فكلام بنى نجم الدّين الحنبلى، وكلام أبيهم فى إثبات الصوت كثير موجود، وسنذكر إن شاء الله مما نقله الناصح الحنبلى خاصة فى إثبات الصوت ما نذكره فى مواضعه.
وأما قوله:«ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول» فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك.