قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر.
وقال أنيس أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم. أخرجه مسلم. وكان أنيس من أشعر العرب- وأقراءُ الشعر: أنواعه، وطرقه، وبحوره-.
وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء واللُّسْن البلغاء.
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرًا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: حدثنا شيخ لنا، وينادي: يا صاحب الكسائي. ولا يعدّ هذا شعرًا.
وقد كان رجل ينادي في مرضه، وهو من عُرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى. انتهى كلام القرطبي -رحمه الله- جـ ١٥ ص ٥٢ - ٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الأخير هو الأحسن عندي، وحاصله أن الشعر المعني في قوله تعالى:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}[يس: ٦٩] هو الذي وقع عن قصد، وأما ما وقع اتفاقًا، فلا. فما وقع من كلامه - صلى الله عليه وسلم - موزونًا، وكذا ما أنشده لغيره،