(تَحِدُّ) بضمّ أوله، من الإحداد، وبفتحه، من الحدّ. وهو على حذف "أن" المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، وهو في تأويل المصدر فاعل "يحلّ"، أي لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيّتٍ) استدلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لم تتحقّق وفاته، خلافًا للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) قال ابن بطّال: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجبًا؛ للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحلّ لها منعه في تلك الحالة (إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير الزوج أبًا كان أو غيره، وأما ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية عمرو بن شعيب "أن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - رخّص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام"، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو ابن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة، ووهم بعض الشّرّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في "المراسيل"، فقال: عمرو بن شُعيب ليس تابعيًّا، فلا يخرّج حديثه في المراسيل. وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضًا.
واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعًا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها.
وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياسًا على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكيّة.
واحتجّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس، والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلّقة قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقًا، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد.
وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجيّة.
واستُدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظّ النفس، ومراعاتها،