للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} الآية [الحج: ٤٠]. (ومنها): بيان ما كان يَلحَق المسلمين من أذى الكفّار بسبب إسلامهم، وصبرهم على ذلك، وهكذا ينبغي للدعاة أن يتأسوا بهم في ذلك؛ لأن هذه سنة اللَّه تعالى في أنبيائه ورسله مع أممهم، كما قال اللَّه تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} الآية [البقرة: ٢١٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الزواني:

قال العلاّمة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في زواج الزانية، فأجازه الجمهور، ومنعه قوم، وسبب اختلافِهِم اختلافُهُم في مفهوم قوله تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٣]، هل خرج مخرج الذمّ، أو مخرج التحريم؟، وهل الإشارة في قوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} إلى الزنا، أو إلى النكاح؟، وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذمّ، لا على التحريم؛ لما جاء في الحديث: أن رجلاً قال للنبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - في زوجته: إنها لا تردّ يد لامس، فقال النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم -: "طلّقها"، فقال له: إني أحبّها، فقال له: "فأمسكها" (١).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الآية على الذمّ دون التحريم غير صحيح، كما سيأتي قريبًا.

وقال قوم أيضًا إن الزنا يُفسخ به النكاح، بناءً على هذا الأصل، وبه قال الحسن. انتهى (٢).

وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى-: للعلماء في هذه الآية خمسة أقوال:

[أحدها]: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيّب. قال الشافعيّ في الآية القول فيها كما قال سعيد بن المسيّب -إن شاء اللَّه- إنها منسوخة. وقال غيره: الناسخ لها قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وعلى هذا أكثر العلماء، يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوّجها، ولغيره أن يتزوّجها.

[الثاني]: أن النكاح ها هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يُطاوعه على فعله، ويُشاركه في مراده إلا زانيةٌ مثله، أو مشركة.

[الثالث]: أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانيةٌ مجلودةٌ، أو مشركةً، وكذا الزانية.


(١) هو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، وسيأتي الكلام عليه.
(٢) - "بداية المجتهد" ٢/ ٤٠.