للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

على ما أهلّ به في أول الحال، وكلّ من روى عنه التمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره.

(القول السادس): أنه لبّى بالعمرة وحدها، ثم لم يتحلّل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التروية، فصار قارنًا. حكاه الحافظ عن الطحاويّ، وابن حبّان.

(القول السابع): أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يُعيّن فيه نسكًا، ثم عيّنه بعدُ. رجحه الشافعيّ في "اختلاف الحديث"، كما قال الحافظ في "الفتح". وقال وليّ الدين العراقيّ: قال القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرمًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به، من إفراد، أو تمتّع، أو قران، ثم أمر بالحجّ، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: "صلّ في هذا الوادي، وقيل: عمرة في حجة". ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصحّ قول من قال: أحرم النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - مطلقًا مبهمًا؛ لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة تردّه، وهي مصرّحة بخلافه انتهى.

(القول الثامن): أنه لبّى بالحجّ والعمرة معًا، وكان قارنًا من أول الأمر. وحقّق هذا القول ابن الهمام في "شرح الهداية"، وابن القيّم في "الهدي"، وأجابا عن كلّ ما خالفه.

قال ابن القيّم: والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، كما دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث انتهى. وإليه مال ابن حزم في كتابه "حجة الوداع"، وتأول باقي الأحاديث إليه، كما حكاه النوويّ، والوليّ العراقيّ.

وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والذي تجتمع به الروايات أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - كان قارنا بمعنى أنه أدخل العمرة على الحجّ بعد أن أهلّ به مفردًا، لا أنه أول ما أهلّ أحرم بالحجّ والعمرة معًا، وقد تقدّم حديث عمر مرفوعًا: "وقل: عمرة في حجة". وحديث أنس: "ثم أهلّ بحجّ وعمرة". ولمسلم من حيث عمران حصين: "جمع بين حج وعمرة". ولأبي داود، والنسائيّ من حديث البراء مرفوعًا: "إني سقت الهدي، وقرنت". وللنسائيّ من حديث عليّ مثله. ولأحمد من حديث سُراقة: "أن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - قرن في حجة الوداع". وله من حديث أبي طلحة: " جمع بين الحجّ والعمرة". وللدارقطنيّ من حديث أبي سعيد، وأبي قتادة، والبزّار من حديث ابن أبي أوفى، ثلاثتهم مرفوعًا مثله.

وأجاب البيهقيّ عن هذه الأحاديث، وغيرها نصرة لمن قال: إنه - صلى اللَّه عليه وسلم - كان مفردًا، فنقل عن سليمان بن حرب أن رواية أبي قلابة، عن أنس: "أنه سمعهم يصرخون بهما جميعًا"، أثبت من رواية من روى عنه أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - جمع بين الحجّ والعمرة.

ثم تعقّبه بأن قتادة وغيره من الحفّاظ رووه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس