وليستا من الوجه، ولا من الرأس: إجماعُ القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه إن ترك مسح أذنيه، وصلى لم يعد، فبطل قولهم: إنهما من الرأس، لأنه لو ترك شيئا من رأسه عندهم لم يجزئه، وإجماع العلماء في أن الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر، فدل ذلك على أنهما ليستا من الرأس، وأن مسحهما سنة على الانفراد، كالمضمضة، والاستنشاق.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين: أن الرأس قد رأينا له حكمين: فما واجه منه كان حكمه الغسل، وما علا منه وكان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح، واختلاف الفقهاء في الأذنين إنما هو هل حكمهما المسح كحكم الرأس، أو حكمهما الغسل كغسل الوجه، أو لهما من كل واحد منهما حكم، أو هما من الرأس فيمسحان معه؟ فلما قال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث حديث الصنابحي "فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه" فأتى بذكر الأذنين مع الرأس، ولم يقل: إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من أذنيه: علمنا أن الأذنين ليس لهما من حكم الوجه شيء لأنهما لم يذكرا معه، وذكرا مع الرأس، فإن حكمهما المسح كحكم الرأس، فليس يصح من الاختلاف في ذلك عندي إلا مسحهما مع الرأس بماء واحد، واستئناف الماء لهما في المسح، فإن هذين القولين محتملان للتأويل، وأما قول من أمر بغسلهما، أو غسل بعضهما فلا معنى له، وذلك مدفوع بحديث الصنابحي هذا، مع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسحهما اهـ كلام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ببعض تصرف جـ ٤/ ص ٣٩ - ٤٢.
وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب في تفصيل هذه المسألة، وذكر المذاهب بأدلتها كلاما نفيسا، أحببت نقله، وإن كان جله