قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ومعنى عدم القبول الخ" فيه نظر؛ لأن هذا لازم لمعنى القبول، لا مَعنًى للقبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه اللائق به -عَزَّ وَجَلَّ-، كما يدلّ عليه قوله:"إلا أخذها الرحمن الخ"، كما سيأتي بيانه قريبًا.
وقال القرطبيّ: وإنما لا يقبل اللَّه الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحرَم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته انتهى.
(إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين للَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، على ما يليق بجلاله، وهذا المذهب الحقّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَإنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ: و"إن" وصليّةٌ، أي ولو كانت الصدقة شيئًا حقيرًا انتهى (فَتَرْبُو) أي تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ للَّه تعالى أيضًا على ما يليق بجلاله -عَزَّ وَجَلَّ- (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي في الثقل. وفي رواية البخاريّ:"حتى تكون مثل الجبل". وفي رواية ابن جرير:"حتى يوافَى بها يوم القيامة، وهي أعظم من أحد". يعني التمرة. ولفظ الترمذيّ:"حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد"، وتصديق ذلك في كتاب اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة. وزاد في رواية عبد الرزّاق:"فتصدّقوا".
قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعِظَمِها أن عينها تعظم لتَثقُلَ في الميزان. ويحتمل أن يكون ذلك معبّرًا به عن ثوابها انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده سياق الحديث. واللَّه تعالى أعلم (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي يربيها الرحمن تربية، مثل تربية أحدكم الخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما بلفظ:"ثم يُربيّها لصاحبها، كما يربّي أحدكم الخ"(فَلُوَّهُ") بفتح الفاء، وضمّ اللام،