بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ، واسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة. ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر: وقد اختلف السلف في الكبائر والصغار، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر. وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الاسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى اللَّه عنه كبيرة. ونقل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجّوا بأن كلّ مخالفة للَّه، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة اهـ.
ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرّمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، مرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}[النساء: ٣١]، أن المراد الشرك. وقد قال الفرّاء: من قرأ "كبائر"، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح - عليه السلام -، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة اهـ.
قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلّة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول. وقال الغزاليّ في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه.
قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في "الإرشاد": المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصى اللَّه به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربٌ أعظم من عُصي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن