نكير، ولو كانت واجبةً لم يُخلّوا بذلك، ولنُقِل عنهم نقلاً ظاهرًا. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح": واستدلّ بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب مع ظاهر آية:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} الآية [البقرة: ١٨] على وجوب الوصيّة، وبه قال الزهريّ، وأبو مِجْلّز، وعطاء، وطلحة بن مصرّف في آخرين، وحكاه البيهقيّ عن الشافعيّ في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفراينيّ، وابن جرير، وآخرون. ونسب ابن عبد البرّ القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذّ. كذا قال.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "كذا قال" إشارة من صاحب "الفتح" إلى الاعتراض على ابن عبد البرّ في دعواه الإجماع، وهو حقيقٌ بالاعتراض عليه، كيف يدّعي الإجماع، وقد سبق قول كثير من أهل العلم به، إن هذا لهو العجب. واللَّه تعالى أعلم.
قال: واستُدلّ لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوص لقُسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصيّة.
وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، كما قال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أحبّ، فجعل لكلّ واحد من الأبوين السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع" رواه البخاريّ.
وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نسخ الوصيّة للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما الذي لا يرث، فليس في الآية، ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النسخ في حقّه.
وأجاب من قال بعدم الوجوب عن قوله في الحديث:"ما حقّ امرئ" بأن المراد الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت، وهو على غير وصيّة، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعيّ. وتال غيره: الحقّ لغةً الشيء الثابت، وُيطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، وقد يُطلق على المباح أيضًا، لكن بقلّة. قاله القرطبيّ. قال: فإن اقترن به "على"، أو نحوها، كان ظاهرًا في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال. وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحقّ بما يدلّ على