للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وضيّعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة، أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه، فنام، فقد ثبت أن اللَّه يكتب له أجر صلاته، ونومُهُ عليه صدقة. وقال أيضًا: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله - صلى اللَّه عليه وسلم -: "لا يقولنّ أحدكم خبُثت نفسي"، وليس كذلك، لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمًا لفعله، ولكلّ من الحديثين وجه. وقال الباجيّ: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووَصَفَ بعضَ الأفعال بذلك تحذيرا منها وتنفيرًا.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: تقرير الإشكال أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نُهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف - صلى اللَّه عليه وسلم - هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير (١).

[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذيّ" أن السرّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرةُ إلى حلّ عُقَد الشيطان، وبناه على أن الحلّ لا يتمّ إلا بتمام الصلاة، وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة، ثم أفسدها لم يساو من أتمّها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حلّ العقد يحصل بالشروع في العبادة، وينتهي بانتهائها.

وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه عنه -، فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله - صلى اللَّه عليه وسلم -، وهو منزّه عن عقد الشيطان، حتى ولو لم يَرِد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يحمل فعله على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: "فحُلُّوا عقد الشيطان ولو بركعتين". قاله في "الفتح" (٢). وهو بحث نفيس جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:


(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٣٠ - ٣٣٦.
(٢) - "فتح" ج ٣ ص ٣٣٦ - ٣٣٧.