للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الإسلام مبيناً هذا: «فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى (الوجود) أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصّه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل -إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود-، إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى (الشيء) و (الوجود)؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الاسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الاطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص، فقد سمّى الله نفسه حيًّا، فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران:٢]، وسمّى بعض عباده حيًا، فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام:٩٥]، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الْحَيُّ) اسم لله مختص به، وقوله {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}، اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق» (١)؛ وذلك لأن "كل موجودين قائمين بأنفسهما، فحينئذ لابد أن يجمعهما اسم عام يدل على معنى عام، لكن المعنى العام لا يوجد عاماً إلا في الذهن لا في الخارج.


(١) التدمرية (ص:٢٠ - ٢٢).

<<  <   >  >>