تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَبِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَتَزَوَّجُ الْحَرْبِيَّةَ وَلَا يَرِثُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَنْقَلِبُ فِيمَا لَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ أَرِثُ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِلَيْنَا، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَنْ عِكْرِمَةِ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قُلْتُ: ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ كَمَا مَضَى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْبَابِ مُطَوَّلًا فِي ذِكْرِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ فَذَكَرَ الْمَتْنَ الْمَذْكُورَ هُنَا سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَيِ ابْنِ عَفَّانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُصَرِّحًا بِالْإِخْبَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ، وَكَذَا بَيْنَ عَلِيٍّ، وَعَمْرٍو، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ قَالَ عُمَرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَذَّتْ رِوَايَاتٌ عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِ الْجُمْهُورِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ مَالِكٍ، وَقَدْ عَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَمْثِلَةِ الْمُنْكَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَوْضَحَهُ شَيْخُنَا فِي النُّكَتِ وَزِدْتُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْصَاحِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كُلٌّ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ (١)، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهَا، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَثَالِثٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرٍو صَحِيحٌ، وَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ قَالَ لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ كَافِرَةٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ أُخْرَى كَافِرَةٍ، وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَامُ وَبِالْأُخْرَى الْكُفْرُ فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى الْيَهُودِيِّ مَثَلًا أَنْ يَرِثَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ الْكَافِرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَكْثَرِ وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَوَارَثُ حَرْبِيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ فَإِنْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ شُرِطَ أَنْ يَكُونَا مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا فَرْقَ، وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ: وَطَائِفَةُ الْكُفْرِ ثَلَاثُ مِلَلٍ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا تَرِثُ مِلَّةٌ مِنْ هَذِهِ مِنْ مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَّتَيْنِ، وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْكُفَّارِ مِلَّةٌ فَلَمْ يُوَرِّثُوا مَجُوسِيًّا مِنْ وَثَنِيٍّ وَلَا يَهُودِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبَالَغَ فَقَالَ: وَلَا يَرِثُ أَهْلُ نِحْلَةٍ مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَهْلَ نِحْلَةٍ أُخْرَى مِنْهُ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَدِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ يَصِيرُ مَالُهُ إِذَا مَاتَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ فَيْئًا إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِرِدَّتِهِ أَنْ يَحْرِمَ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ لَهُمْ، وَكَذَا قَالَ فِي الزِّنْدِيقِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْدَ الرِّدَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَعَنْ دَاوُدَ يَخْتَصُّ بِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ حَرَّرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فَهِيَ مِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَشَرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ من قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فَوَحَّدَ الْمِلَّةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَحْدَةَ فِي اللَّفْظِ
(١) كذا في نسخة، وفي أخرى "من رواية إبراهيم".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute