للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأما الخامس فوجه النهي المتوجه على الفعل حتى حصل الترك أن الرفيع المنصب مطالب بما يمتضي منصبه بحيث يعد خلافه منهيا عنه وغير لائق به وإن لم يكن كذلك في حقيقة الأمر حسبما جرت به العبارة عندهم في قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين إنما يريدون في اعتبارهم لا في حقيقة الخطاب الشرعي ولقد روى أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد القسم على الزوجات وإقامة العدل على ما يليق به يعتذر إلى ربه ويقول اللهم هذا عملي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك يريد بذلك ميل القلب إلى بعض الزوجات دون بعض فإنه أمر لا يملك كسائر الأمور القلبية التي لا كسب للإنسان فيها أنفسها.

والذي يوضح هذا الموضع وأن المناصب تقتضي في الاعتبار الكمالي العتب على ما دون اللائق بها قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام في حديث الشفاعة وفي اعتذار نوح عليه السلام عن أن يقوم بها بخطيئته وهي دعاؤه على قومه ودعاؤه على قومه إنما كان بعد يأسه من أيمانهم قالوا وبعد قول الله له لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وهذا يقضي بأنه دعاء مباح إلا أنه استقصر نفسه لرفيع شأنه أن يصدر من مثله مثل هذا إذ كان الأولى الإمساك عنه وكذلك إبراهيم اعتذر بخطيئته وهي الثلاث المحكيات في الحديث بقوله لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات فعدها كذبات وإن كانت تعريضا اعتبارا بما ذكر.

والبرهان على صحة هذا التقرير ما تقدم في دليل الكتاب أن كل قضية دم ترد أو لم تبطل أو لم ينبه على ما فيها فهي صحيحة صادقة فإذا عرضنا مسألتنا على تلك القاعدة وجدنا الله تعالى حكى عن نوح دعاءه على قومه فقال وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولم يذكر قبله ولا بعده ما يدل على عتب ولا لوم ولا خروج عن مقتضى الأمر والنهي بل حكى أنه قال إنك إن تذرهم يضلوا عبادك الآية ومعلوم أنه عليه السلام لم يقل ذلك إلا بوحي من الله لأنه غيب وهو معنى قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هُود: ٣٦] وكذلك قال تعالى في إبراهيم فنظر نظرة في النجوم {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)} [الصَّافات: ٨٩] ولم يذكر قبل ذلك ولا بعده ما يشير إلى لوم ولا عتب ولا مخالفة أمر ولا نهي. ومثله قوله تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبيَاء: ٦٣] فلم يقع في هذا المساق ذكر لمخالفة ولا إشارة إلى عتب بل جاء في الآية الأولى إذ جاء ربه بقلب سليم وهو غاية في المدح بالموافقة. وهكذا سائر المساق إلى آخر

<<  <  ج: ص:  >  >>