للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والعجب فى القاضى أبى بكر الباقلانى - شيخ النظار من المتكلمين - يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأى الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد فى الدين، والتعمق فى الرافضية، فليس ذلك بدافع فى صدد بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذى يغنى عنهم من الله شيئا فى كفرهم، وقد قال تعالى لنوح فى شأن ابنه:

«إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (١) [و] قال لفاطمة يعظها: «يا فاطمة: اعملى، فلن أغنى عنك من الله شيئا».

ومتى عرف امرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (٢).

والقوم كانوا فى مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم، وانتشارهم فى القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل:

فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت … وأين مكانى؟ ما عرفن مكانى

حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام - جد عبيد الله المهدى - بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن فى نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأى الفائل (٣) إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين - شيعة العبيديين وأهل دعوتهم -، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم:


(١) السورة ١١، الآية ٤٦.
(٢) السورة ٤، الآية ٣٣.
(٣) الرأى الفائل أى الخاطئ أو الضعيف، فقد جاء فى القاموس: «قال رأيه يفيل فيولة وفيلة أخطأ وضعف».