وكم رجلٍ يجادلك في حديث، وهو لا يدري أنَّ عِلْمَ الحديث رواية ودراية لو أنفق عمره ما أدرك لَه نهاية، ومع هذا تجده لا يتورَّع عن غَمْزِ ولمز العلماء، ولو أنَّه نظر في كُتُبِهم لَعَدَّ نفسه من الصُّمِّ البُكْم الَّذين لا يعقلون، ولكن شَقَّ عليه الغوصُ في بحارهم الزَّاخرة، وبعدت عليه الشُّقَّة، فتخلَّف وناصبهم العداوة.
ومِن العَجَبِ العُجَاب، وممَّا يمزِّق الأفئدة ويدمي قلوب ذوي الألباب، أن تجد مَنْ يَكْذِب على أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - والصّحابة - رضي الله عنهم -، ويتفيهق ويملأ جوفه بالكلام؛ إظهاراً لفضيلته، وتزكية لنفسه، على حساب مَنْ زكَّاهم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ (٤٩)} [النّساء].
نقض قولهم: إنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: تقاتلي عليّاً وأنت له ظالمة!
قالوا: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ عائشة ستقاتل عليّاً وهي له ظالمة، فقد قال لها - صلى الله عليه وسلم -: " تقاتلي عليّاً، وأنت له ظالمة ".
قلت: هذا حديث لا أصل له، فقد فتَّشت كتب القوم فلم أجد له ذِكراً، والظَّاهر أنَّه وهم، فالحديث قاله - صلى الله عليه وسلم - للزّبير - رضي الله عنه -، أخرج الحاكم في "المستدرك" أنَّ الزّبير - رضي الله عنه - خَرَجَ يريد عليّاً، فقال له عليّ:"أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سمعت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: تقاتله و أنت له ظالم؟ فقال: لم أذْكُرْ، ثم مضى الزُّبير منصرفاً "(١).
قلت: والغريب أنَّ الحاكم صحَّحه، والأغرب أنَّ الذَّهبي وافقه، مع أنَّ
(١) الحاكم "المستدرك" (ج ٣/ص ٣٦٦) كتاب معرفة الصَّحابة.