للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومُدَّ السماط فأَكلت الجماعة، ثم جئَ بالحلْوى ثم بالفاكهة فقرأَ قارئ ﴿مَثَل (١) الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، الآية. فقال الشيخ نور الدين التلواني (٢) - وهو ممَّنْ حضر المجلس - "الظل لا يكون إِلَّا عن ضوءِ، والجنة لا شمس فيها ولا قمر"، فأَجابه بعض الحاضرين؛ وانجر الكلام إِلى الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم (سبعة يظلهم الله بظله أَو في عرشه يوم لا ظلّ إِلا ظله) الحديث. فقال كاتبه: "هل منكم من يحفظ لهذه السبعة ثامنا؟ " فقالوا: "لا"، فقال: "ولا هذا الذي يدّعى أَنه يحفظ إِثنى عشر أَلف حديث؟ " وأَشار إِليه فسكت، فقال له بعضهم: "فهل تحفظ أَنت ثامنًا؟ "، فقال: "نعم، أعرِفُ ثامنا وتاسعًا وعاشرًا، وأَعجبُ من ذلك أَنه في صحيح مسلم - الذي يدّعى هذا الشيخ أَنه يحفظه كله - ثامنُ السبعة المذكورة"، فقيل له: "أَفِدْنا ذلك"، فقال: "المقام مقام امتحانٍ لا مقام إِفادة، وإِذا صرْتم في مقام الاستفادة أَفدْتُكم"؛ ثم جَمعَ كاتبهُ بعد ذلك ما ورد في ذلك فبلغَ زيادةً على عشر خصال زائدة على السبعة المذكورة في الحديث المذكور، وكان أَبو شامة قد نظم السبعة المشهورة في بيتين مشهوريْن، فجمع كاتبه سبعةً وردت بأَسانيد جياد فنظمها في بيْتَيْن، ثم جمع سبعةً ثالثة بأَسانيد فيها مقال ونظمها في بيتين آخرين؛ وانفضَّ المجلس لصلاة العصر، فلما أَرادوا القيام قال كاتبه للسطان: "يا خوند، أَدَّعى عَلَى هذا أَنَّ لي عنده دَيْنًا"، فقال: "ما هو؟ "، فقال: "إِثنا عشر حديثًا"، فتبسّم وانصرف.

فلما كاد كاتبه أَن يخرج من باب الحوش طُلب (٣) فعاد فوَجد السلطان قام ليقضى حاجته فوقف مع خواصّه إِلى أَن يحضر، فقال له كاتب السر: "إن السلطان قال قد اسْتَحْيَيْتُ من فلانٍ كيف يتوجّه بغير ثواب، فقلتُ (٤) إِنه كان شيخ البيبرسيّة وانتزعها


(١) سورة الرعد ١٣: ٣٥.
(٢) هو على بن عمر بن حسن المغربي الأصل، وينسب إلى تلوانة إحدى قرى المنوفية، وكان شديد الالتصاق بالبلقيني، ورغم درسه الكثير إلا أن ابن حجر نال منه في ترجمته إياه الواردة في إنباء الغمر وفيات سنة ٨٤٤.
(٣) يعني أن السلطان طلب ابن حجر.
(٤) ضمير المتكلم هنا عائد على كاتب السر.