للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحجاج، ومن سَمَّى معهم لا يَشتَرطه، ولا يَبحَث عنه، ولو اشتُرِط ذلك لضاق الأمر جدّا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير، إلا أن الله تعالى أتاح الإجماع عصمةً لذلك، وتوسعة علينا -والحمد لله-.

فهذا المذهب المجهول قائله لا يُعَرَّج عليه، ولا يُلتَفتُ إليه.

وقد تولى الإمام أبو عمرو بن الصلاح رَدَّ هذا المذهب الذي حكاه، وقال: إن الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، قال: وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه، وقَبِلُوه (١).

وقد نقل أيضا هذا المذهب مبهما لقائله أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرّامَهُرْمُزِيّ ت (٣٦٠ هـ) في كتاب "المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي"، فقال: قال بعض المتأخرين من الفقهاء: كلُّ مَنْ رَوَى من أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرا، فلم يقل فيه: "سمعته"، ولا "حدثنا"، ولا "أنبأنا"، ولا "أخبرنا" ولا لفظة توجب صحة الرواية، إما بسماع أو غيره، مما يقوم مقامه فغير وأجب أن يُحكَم بخبره. وإذا قال: "نا"، أو "أنا فلان عن فلان"، ولم يقل: "نا فلان أن فلانا حدثه"، ولا ما يقوم مقام هذا من الألفاظ، احتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يسمه؛ لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: "حُدِّثنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بكذا وكذا"، و"فلان حدثنا عن مالك والشافعي"، وسواء قيل ذلك ممن عُلِم أن المخاطب لم يره، أو ممن لم يُعلَم ذلك منه؛ لأن معنى قوله: "عن" إنما هو أَنَّ رَدَّ الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة، مُستَعمل بين الناس. قال: وهذا هو العلة في المراسيل. قال: وقد نظم هذا بعض المتأخرين شعرا، فقال [من الخفيف]:

يَتَأَدَّى إِلَيَّ عَنْكَ مَلِيحٌ ... مِنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِنْ بَيَانِ

فَلِهَذَا اشْتَهَتْ حَدِيثَكَ أُذْنَايَ ... وَلَيْسَ الإِخْبَارُ مِثْلَ الْعِيَانِ

بَيْنَ قَوْلِ الْفَقِيهِ "حَدَّثنَا سُفْـ ... يَانُ فَرْقٌ وَبَيْنَ عَنْ سُفْيَانِ

انتهى كلام ابن خلاد (٢).

قال ابن رُشيد: وقد رددنا هذا المذهب بما فيه الكفاية، وإذ بان أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين، فهو مسبوق بإجماع علماء الشأن. والله الموفق.


(١) "مقدّمة ابن الصلاح" ص ٨٣ بحاشية "التقييد والإيضاح".
(٢) "المحدّث الفاصل" ص ٤٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>