ثم يتلو ما تقدّم ما شاع استعماله لدى الْمُسنِدين، وذاع في عرف المحدثين، عند طلب الاختصار من استعمال "عن" في مَعرِض الاتصال، وهو الذي قصدنا تحقيقه الآن. (١).
قال أبو عبد الله بن رُشَيد رحِمَهُ الله تعالى:
(اعلم): أن الإسناد المعنعن، وهو ما يقال فيه: فلان عن فلان، مثل قولنا: مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنقول فيه عن المتقدمين أربعة مذاهب، وحدث للمتأخرين فيه مصطلح خامس.
(فالمذهب الأول): مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يُعَدّ متصلا من الحديث إلا ما نُصّ فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. حكاه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح رحِمَهُ الله، ولم يُسَمِّ قائله، ولفظ ما حكاه:"فلان عن فلان، عَدَّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره".
قال ابن رُشَيد: وهذا المذهب وإن قَلّ القائل به بحيث لا يُسَمّى ولا يُعلَم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط، وحجته أن "عن" لا تقتضي اتصالا لا لغةً ولا عرفًا، وإن توهم مُتوهِّم فيها اتصالا لغةً فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه.
تقول: أُخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلا بالمحل المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال الراوي بالمروي عنه، وما عُلم منهم أنهم يأتون بـ "عن" في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرِم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يُحكَم بالإرسال؛ لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه.
قال ابن رُشَيد: وكان ينبغي لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال، بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراد هذا القائل، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يَقِفُون الخبرَ ولا يكون عندهم موضعَ حجة؛ لإمكان الإرسال فيه، وإن هذا القصد ليلوح من قول هذا القائل حتى يتبين اتصاله بغيره، ولكن صدر الكلام يأباه لقوله عَدّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، وكأن في ربط العجز بالصدر تنافرا ما إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين، بل جميعهم، وهو الذي لا إشكال في أن أحدا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار -كما قال مسلم رحِمَهُ الله- ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك، وشعبة بن
(١) راجع ما كتبه ابن رُشيد رحِمَهُ الله تعالى في رسالته "السنن الأبين" ج: ١ ص: ٤٣.