للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حرام": قال: نُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير على "كثيره فيبقى المعنى على قوله: فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قَدَحين من النبيذ مثلًا، ولم يَسْكَر بهما، وكان يَسكَر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأولين. وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدإ؛ ليُرْبَطَ به الخبرُ، فيصير المعنى: الذي يُسكِرُ كثيره، فقليل ذلك الذي يُسكر كثيره حرام، وقد صَرَّح به في الحديث، فقال: "كلُّ مُسكِر حرامٌ، وما أسكر منه الفرق، فملء الكفّ منه حرام" (١). ولأن الفاء جواب لِمَا في المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يُسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام. ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أُعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمّله. وفيه فساد من جهة المعنى أيضًا؛ لأنه إذا أريد: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر من الخمر، وهو مخالف للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ رحمهُ اللهُ تعالى، وهو تحقيق نفيسٌ جدّا (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): أنه اختلف أهل العلم في حدّ السُّكْر الذي يجب فيه الجلد:

قال الموفّق أبو محمد بن قُدامة رحمهُ اللهُ تعالى: حد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ، ويُختَلَف معه في وقوع طلاقه، ويَمنَع صحة الصلاة منه، هو الذي يجعله يَخْلِط في كلامه، ما لم يكن قبل الشرب، ويُغَيِّره عن حال صحوه، ويَغْلِب على عقله، ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين فعله وفعل غيره، ونحوَ هذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.

وزعم أبو حنيفة أن السكران هو الذي لا يَعْرِف السماء من الأرض، ولا الرجل من المرأة.

وحجة الأولين قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: ٤٣] نزلت في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حين قَدّموا رجلا منهم في الصلاة، فصلى بهم، وترك في قراءته ما غَيَّرَ المعنى، وقد كانوا قاموا إلى


(١) حديث صحيح، راوه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.
(٢) "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" ١/ ٢٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>