للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

"يا شيخ: هذا الإِطلاق كفر" فجحد أَن يكون قال ذلك؛ وكان السلطان قد سمعه لأَنه كان جالسًا إِلى جانبه فأَظهر ذلك انزعاجًا على كاتبه في مقالته لكونه خالفه، فقال: "انشد الله رجلًا سمع ما سمعت إِلَّا شهد به"، فشهد تقى الدين الجيتى وآخر فقال: (١) "ما قصدْتُ بهذا الإِطلاق إِلَّا الحاضرين" فقيل له: "إذا سلم ذلك ففيه دعوى عريضةٌ وإساءَةُ أَدب"، واشتدّ انزعاج البلقيني من ذلك حتى قال: "ما أَساءَ أَحدٌ عليَّ الأَدب منذ بلغْتُ الحلُم مثل اليوم"، وصار لا ينتفع بنفسه بقية يومه، فتم له ما أَبرموه إِلَّا أَنهم خُذلوا بهذه السقطة.

وكانوا قد رتبوا على الشيخ شرف الدين التَّبّانى - على ما أَخبر به بعد ذلك - أَن يسأَل الهرويّ في المجلس عن حديث الوضوءِ بالنبيذ ومَنْ خرّجه، فسأَله (٢) عن ذالك مع أَنَّه لا تَعَلُّقَ له بما كانوا فيه فبادر بأن قال: "رواه الترمذي، قال ثنا هناد بن السرى، ثنا شريك، ثنا أَبو فزارة عن أَبي زيد عن ابن مسعود ، ورواه ابن ماجه قال ثنا العباس بن الوليد الدمشقى، ثنا مروان بن محمد، ثنا قاسم بن عبد الكريم عن حنش الصنعاني عن ابن عبّاس عن عبد الله بن مسعود"؛ فقال له كاتبه (٣): "هذا الإِسناد الذي سُقْتَه لابن ماجة غلط وليس في ابن ماجة ولا غيره من الكتب الستة أَحدٌ اسمه قاسم بن عبد الكريم وأَيضًا فليس في سياق ابن ماجة أَن الحديث لابن عباس عن ابن مسعود، وليس لفظه مطابقًا للفظ سياق الترمذي"، فقال الهروى: "فما الصواب في هذا الإِسناد؟ " فقال له: "تكتبُ ما قلتَ وأَنا أُعيّن موضع الغلط ونُحضر ابنَ ماجه فإِن كان كما قلتَ وإِلَّا تَبَيَّن خطؤك! "، فلم يجسر أحدٌ أَن يكتب ذلك حتى أَشار السلطان إلى تقيّ الدين الجيتى فكَتب ذلك، فظهر الصواب مع كاتبه في جميع ما قال في ذلك، وظهر أَنه درس إِسناد ابن ماجة فسقط عليه راوٍ وأَبدل واحدًا بآخر، والساقطُ ابن لهيعة شيخُ مروان بن محمد، والمبدولُ: قيسُ بن الحجاج، فجعله الهرويّ "قاسمَ بن عبد الكريم" ووضحت مجازفة الهرويّ


(١) أي الهروى.
(٢) عبارة "فسأله عن ذلك" ساقطة من هـ.
(٣) يعني ابن حجر نفسه.