للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وظاهر الكلام أيضا مُشعر بذلك من حيث قرينة المطابقة، حيث قال: "يَظهر سماعه"، فهذا إثبات لظهور السماع، ثم أكّد ذلك بقوله: "ليس يحتمله"، فنَفَى أن يُكتفَى بمجرد الاحتمال من حيث المعاصرة، بل لا بدّ أن يكون السماع ظاهرا معلومًا، والتمثيل يدل على صحة هذا، فإنه قال: "ومثال ذلك ما حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد، قال: نا الحسن بن مكرم، قال: نا عثمان بن عمر، قال: نا يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخرج حتى كَشَفَ سِجْف حُجرته، فقال: "يا كعب ضَعْ من دينك هذا وأشار إليه: أي الشطر، قال: نعم، فقضَاه.

قال الحاكم أبو عبد الله: وبيان مثال ما ذكرته أن سماعي من ابن السماك ظاهر، وسماعه من الحسن بن مُكرَم ظاهر، وكذلك سماع الحسن بن عثمان بن عمر، وسماع عثمان من يونس بن يزيد، وهو عالٍ لعثمان، ويونس معروف بالزهري، وكذلك الزهري ببني كعب بن مالك، وبنو كعب بأبيهم، وكعب برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصحبته. انتهى ما أردناه من كلام الحاكم.

قال ابن رُشيد: وأما لفظ القابسي فيمكن أن يريد به ثبوت المعاصرة البينة، وهو أظهر احتماليه فيه، ويمكن أن يريد طول الصحبة، فيكون موافقا لما ذكره أبو المظفر السمعاني.

وحَكَى ابنُ عبد البر عن جمهور أهل العلم "أنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة". (١).

قال ابن الصلاح: يعني مع السلامة من التدليس.

قال ابن رُشيد: هذا ما حضرنا من النقل عن أئمة هذا الشأن، وأما من حيث النظر فكان الأصل -كما قدمنا- أن لا يُقبَل إلا ما عُلِم فيه السماع حديثا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل لاحتمال الانفصال، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تَتَبُّع طلب لفظ صريح في الاتصال يَعِزّ وجوده، وأنه إذا ثبت اللقاء (٢) ظُنّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنَوا كثيرًا بَلفظ "عن" في موضع "سمعت"، و"حدثنا"، وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتصال اختصارًا، ولَمّا عُرِف من عرفهم الغالب في ذلك، وأنه لا يَضعُها في محل الانقطاع عمن عُلِم سماعُهُ منه


(١) "التمهيد" ١/ ٢٦ وتمام كلامه فيه: فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأيّ لفظ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تَتَبَيّنَ فيه علّة الانقطاع. انتهى.
(٢) الحقّ أن حوار مسلم مع من يشترط اللقاء، والسماع، لا اللقاء فقط، فتنبّه.

<<  <  ج: ص:  >  >>