مشورة، استُشير فيها، لا تتعدى المستشير، كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نَقَلَة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم، وكشفها عليهم، إلى تحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإلى الفساد في شريعة الإسلام، أولى بالجواز، وأحق بالإظهار.
وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله عز وجل:{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} الآية [الحجرات: ١٢]، وزجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنها بقوله:"يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم ... " الحديث (١). فهي ذكر الرجل عيوب أخيه، يقصد بها الوضع منه، والتنقيص له، والإزراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة، وإيجاب الديانة، من التحذير عن ائتمان الخائن، وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب، وقد تكون الكلمة الواحدة لها معنيان مختلفان، على حسب اختلاف حال قائلها، في بعض الأحوال يأثم قائلها، وفي حالة أخرى لا يأثم.
ثم أخرج حديث عائشة -رضي الله عنها- في الإفك، ثم قال: وفي استشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليا وأسامة، وسؤاله بريرة عما عندهم من العلم بأهله بيان واضح أنه لم يكن ليسألهم إلا وواجب عليهم إخباره بما يعلمون من ذلك، فكذلك يجب على جميع من عنده علم من ناقل خبر، أو حامل أثر، ممن لا يبلغ محله في الدين محل عائشة أم المؤمنين، ولا منزلته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منزلتها منه بخصلة تكون منه يضعف خبره عند إظهارها عليه، وبجرحة تثبت فيه، يسقط حديثه عند ذكرها عنه أن يبديها لمن لا علم له به؛ ليكون بتحذير الناس إياه من الناصرين لدين الله، الذابين الكذب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيا لها منزلةً ما أعظمها، أو مرتبة ما أشرفها، وإن جهلها جاهل، وأنكرها منكر.
ثم أخرج عن الصَّلْت بن طَريف قال: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكري له بما فيه غيبة له؟ قال: لا ولا كرامة. وعن الحسن أيضًا كان يقول: ليس لأهل البدعة غيبة. وعن يحيى بن سعيد قال: سألت شعبة، وسفيان، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الرجل يُتَّهَم في الحديث، أو لا يحفظه؟ قالوا: بَيّن أمره للناس. وروى محمد بن أبي خلف قال: كنا عند ابن عُلَيّة، فجاءه رجل، فسأله عن حديث الليث بن أبي سليم، فقال بعض من حضره: وما تصنع بليث بن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث؟ لم لا تسأله عن حديث لأيوب؟ قال: فقال سبحان الله، أتغتاب رجلا من العلماء؟ قال: فقال ابن علية يا جاهل نصحك، إن هذا أمانة، ليس بغيبة. وعن عبد الرحمن بن مهديّ قال: مررت مع شعبة برجل -يعني يحدث- فقال: كذب، والله لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت، أو
(١) أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقد تقدّم أنه صحيح.