وإن شرط رب المال على المضارب أن الربح إذا كان كذا نحو عشرة بالمئة فهو لرب المال كله، وما زاد عن كذا فالزيادة للمضارب، فهذا شرط باطل؛ لأنه تغرير بالمضارب والتغرير الفاحش نوع من الميسر كبيع الملامسة والمنابذة.
والعقد باطل يمكن تصحيحه بإزالة الشرط المبطل، فإن مضى في المعاملة رجعنا فيها إلى مضاربة المثل يحكم به ذوا عدل وخبرة مختاران منهما؛ لأن الله أجاز الإرجاع إلى المثل بحكم عدلين في قوله (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)(المائدة: ٩٥)، فدل على اعتبار المثلية ودل على أنها تكون بحكم عدلين من الخبراء والعقود الباطلة إن تعومل بها، فإن أمكن تصحيحها ابتداء أو في الأثناء صحت، أو في الانتهاء فكذلك؛ لأن الضرر مدفوع بقدر الإمكان.
ودفع الضرر عن المضارب العامل بتصحيح العقد بمثل أجره العادل، ودفع الضرر عن رب المال بتصحيح العقد بإزالة الشرط الفاسد المفسد، وإعطائه ربح المثل.
ودليل تصحيح العقود أنه في الربا لا يأخذ إلا رأس المال (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(البقرة: ٢٧٩).
فأسقط زيادة الربا الباطلة ولم يبطل عقد القرض بدفعه حالا بل إلى أجله؛ فإن كان حالَّا وهو معسر فإلى ميسرة؛ فدل على أن دفع الضرر عن الأطراف كلها بنظر مصلحي عادل أمر معتبر شرعا وقد تقدم بيان هذا.
وإن شُرِطَ احتياطي يؤخذ من رأس المال بضابط مضبوط: إما على العمل فتؤخذ عن كل صفقة من صافي ربحها نسبة منه لوضعه في صندوق كاحتياطي. أو على الزمن فتؤخذ كل ربع سنة مثلا أو شهر أو ما يتفقان عليه ولو رأس كل يوم، فينظر في رأس المال في الفترة وربحه الصافي مخصوما منه ما اتفق عليه من المصاريف والنثريات المتعلقة بالعمل، فيؤخذ من صافي الربح نسبة معينة كرصيد احتياطي لمواجهة الطوارئ، فهذا الشرط إن رضي به المضارب العامل فلا مانع؛ لأنها عملية تجارية ركنها التراضي (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)(النساء: ٢٩).