ولست بأفاك ولا أثيم فامض لما أمرت به.
وكان يجيء إلى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر له أمره ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى يرضى قبل وإلا كتم عليه، وكان يريهم الأعاجيب.
كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح.
وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول: اخرجوا حتى أريكم الملائكة.
فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على خيل، فتبعه بشر كثير وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة فقال له: إني نبي.
فقال له القاسم: كذبت يا عدو الله.
فقال له أبو إدريس: بئس ما صنعت إذ لم تلن له حتى تأخذه.
الآن يفر.
وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه.
وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة فاتهم عامة عسكرة بالحارث أن يكونوا يرون رأيه وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس واختفى وكان الصحابة يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل.
فقال: إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر.
قال فانظر.
فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه فقال: إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك وهذا هو الدين المستقيم.
فأمر أن لا يحجب عنه متى أراد الدخول فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به.
ثم قال له: ائذن لي.
فقال: إلى أين؟ قال إلى البصرة فأكون أول داع لك بها.
قال: فاذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك وهو بالصنيبرة.
فلما دنا من سرادقه صاح: النصيحة النصيحة.
فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟ قال: نصيحة لأمير المؤمنين.
فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه.
فدخل وعنده أصحابه.
قال: فصاح: النصيحة.
قال: وما نصيحتك؟ قال: اخلني لا يكن عندك أحد.
فأخرج من في البيت وقال له: ادنني.
قال: ادن.
فدنا وعبد الملك على السرير.
قال: ما عندك؟ قال: الحارث.
فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض ثم قال: أين هو؟ قال: يا أمير المؤمنين ببيت المقدس، قد عرفت مداخله ومخارجه.