للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والجمع بين الآيتين: أن آية النساء في شأن من لم يتب، وآية الزمر في التائب، فمن تاب تاب الله عليه، ومغفرة الذنوب بالتوبة جاءت مطلقة غير مقيدة، فلا نقيدها، ولا نقول: إن من تاب تاب الله عليه إذا شاء، فمن تاب توبة نصوحًا تاب الله عليه، وعدًا لا يخلف، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)[النساء]، فمن لم يتب إن كان ذنبه الشرك؛ فإنه لا يغفر الله له، وإن كانت ذنوبه دون ذلك فإنها تحت المشيئة، هذا من لم يتب، أما من تاب فيتوب الله عليه مهما كانت ذنوبه كِبَرًا وكثرة، كما في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم كمَّل المائة، ثم تاب توبة نصوحًا؛ فقبل الله منه وغفر له (١).

فهذا هو الدليل على هذا التفصيل، وأن من مات من أهل الكبائر من غير توبة؛ فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.

والذين يُخرجهم الله سبحانه من النار منهم من يخرجه بشفاعة الشافعين، وأعظم الناس حظًّا من أهل الشفاعة هو نبينا ، فالله يُخرج بشفاعته من النار ما لا يخرجه بشفاعة غيره من الملائكة والنبيين والصالحين؛ فإن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون، ويخرج سبحانه من شاء من النار بمحض رحمته لا بسببٍ من جهة بعض العباد، ومرد الأمر كله إلى الله، فالله هو الذي يأذن للشافع بالشفاعة، وهو الذي يقبلها منه، فمرد الأمر كله إليه (٢).


(١) رواه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦). وسيأتي بلفظه في ص ٣٣٨.
(٢) انظر: ص ١٨٥.

<<  <   >  >>