للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (١).

قال: وقد أنكر قوم، لم يتبحروا في العلم، قولَ الحفاظ من أئمتنا، وأُولي المعرفة من أسلافنا أن فلانا الراوي ضعيف، وفلانًا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام، ورأوا ذلك غيبة لمن قيل فيه، إن كان الأمر على ما ذكره القائل، وإن كان الأمر على خلافه فهو بهتان، واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أتدرون ما الغيبة؟ ... " الحديث. وقد تقدّم ذكره. قال: وقال قائلهم في ذلك شعرًا، أنشده بكر بن حماد الشاعر المغربي لنفسه [من الطويل] (٢):


(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم.
(٢) وقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى أبيات بكر بن حماد هذه مع ردودها، فأفاد وأجاد، حيث قال في "جامع بيان العلم" ٢/ ١٠١٦ - ١٠١٩ بعد أن ذكر قصّة عن سفيان بن عيينة أن أصحاب الحديث ألجؤوه إلى الميل الأخضر، فالتفت إليهم، فقال: ما أرى الذي تطلبونه من الخير، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير، قال أبو عمر: هذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأولي العلم نظر، وقد أخذه بكر بن حماد، فقال:
لَقَدْ جَفَّتِ الأَقْلَامُ بالْخَلْقِ كُلِّهِمْ ... فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ خَائِبٌ وَسَعِيدُ
تَمُرُّ اللَّيَالِي بالنُّفُوسِ سَرِيِعَةً ... وَيُبْدِىْ رَبِّي خَلْقَهُ وَيُعِيدُ
أَرَى الْخَيْرَ فِي الَدُّنْيَا يَقِلُّ كَثِيرُهُ ... وَيَنْقُصُ نَقْصًا وَالْحَدِيثُ يَزِيدُ
فَلَوْ كَانَ خَيْرًا قَلَّ كَالْخَيْرِ كُلِّهِ ... وَأَحْسِبُ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْهُ بَعِيدُ
وَلابْنِ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ مَقَالَةٌ ... سَيُسْأَلُ عَنْهَا وَالْمَلِيكُ شَهِيدُ
فَإِنْ تَكُ حَقَّا فَهْيَ فِي الْحُكْمِ غِيبَةٌ ... وَإِنْ تَكُ زُورًا فَالْقِصَاصُ شَدِيدُ
وَكُلُّ شَيَاطِينِ الْعِبَادِ ضَعِيفَةٌ ... وَشَيْطَانُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَرِيدُ
قال أبو عمر بن عبد البرّ: وقد ردّ جماعة هذا القول على بكر بن حمادَ نظمًا، فمن ذلك ما أخبرني غير واحد عن مسلمة بن القاسم، قال: ذاكرت أبا الأصبغ عبد السلام بن يزيد بن غياث الإشبيليّ رفيقي أبيات بكر بن حماد هذه، ونحن في المسجد الحرام، وسألته الردّ عليه، فعارضه بشعر أوله:
تَبَارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَمَنْ بَطْشُهُ بِالْمُعْتَدِينَ شَدِيدُ
وفيه:
تَعَرَّضْتَ يَا بَكْرَ بْنَ حَمَّادَ خُطَّةً ... بِأَمْثَالِهَا فِي النَّاسِ شَابَ الْوَلِيدُ
تَقُولُ بِأَنَّ الْخَيْرَ قَلَّ كَثِيرُهُ ... وَأَخْبَرْتَنَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَزِيدُ
وَصَيَّرْتَهُ إِذْ زَادَ شَرًّا وَقَامَ فِي ... ضَمِيرِكَ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْهُ بَعِيدُ
فَلَمْ تَأْتِ فِيهَ الْحَقَّ إِذْ قُلْتَ فِيهَ مَا ... بِهِ عَنْ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ تَحِيدُ
وَمَا زَالَ ذَا قِسْمَيْنِ حَقًّا وَبَاطِلَا ... فَهَذَا خَلَاخِلٌ وَذَاكَ قُيُودُ
وَذَا ذَهَبٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ آنُكٌ ... وَذَا وَرِقٌ صَافٍ وَذَاكَ حَدِيدُ
وَهَذَا أَثِيرٌ فِي الأَنَامِ مُعَظَّمٌ ... وَذَاكَ طَرِيدٌ فِي الْبِلادِ شَرِيدُ
فَذَمُّكَ هَذَا فِي الْمَقَالِ مُذَمَّمٌ ... وَذَمُّكَ هَذَا فِي الْفِعَالِ حَمِيدُ =

<<  <  ج: ص:  >  >>