أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. وقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كل يوم وليله، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، تُوُفِّي في ولاية خالد القسري. وفي سؤالات أبي جعفر، محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سُئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد، أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي "الكامل" لابن عدي عن القطان: عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتا البناني، لا يكتب عنه. وقال أبو بكر البرديجي: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مضطربا. وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل. قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧). وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣)، حكاهما البخاري في "الأوسط". وحَكَى عن ثابت قال: صحبت أنسا أربعين سنة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، عابدٌ، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم"(١٤٢) حديثًا.
(فَقَالَ) حماد بن سلمة (كَذَبَ) بتخفيف الذال المعجمة المفتوحة، من باب ضرب. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: قوله: "كَذَبَ" هو من نحو ما قدمناه في قوله: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"، معناه ما قاله مسلم: يَجْرِي الكذبُ على ألسنتهم من غير تعمد، وذلك لأنهم لا يعرفون صناعة هذا الفن، فيخبرون بكل ما سمعوه، وفيه الكذب، فيكونون كاذبين، فإن الكذب الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو، سهوًا كان الإخبار، أو عمدًا، كما قدمناه، وكان صالح هذا رحمه اللهُ تعالى من كبار العباد الزهاد الصالحين، وكان حسن الصوت بالقرآن، وقد مات بعض من سمع قراءته، وكان شديد الخوف من الله تعالى، كثير البكاء، قال عفان بن مسلم: كان صالح إذا أخذ في قِصَصَه كأنه رجل مذعور، يُفْزِعك أمره، من حزنه، وكثرة بكائه، كأنه ثَكْلَى. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة الأمر أن المراد بتكذيب حماد بن سلمة، وهمّام بن يحيى لصالح المرّيّ إنما هو نسبته إلى حكاية الأحاديث المكذوبة، لا أنه يتعمّد الكذب؛ لأنهم أجمعوا على أنه رجل صالح عابد زاهد، فيكون من نوع ما قال