للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقالوا: هو فاسقٌ بقوله، فاسق بجهله، فاسق ببدعته، فتضاعف فسقه. وعلى هذا وقع خلاف بين الفقهاء في شهادتهم، فقبلها الشافعيّ، وابن أبي ليلى، وردّها مالك وغيره. وكذلك لا يُشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره الغسّانيّ من افتعاله الحديث، وتحريفه الرواية لنصرة مذهبه، فإن هذا يُثبت كذبه، وطرحَ قوله، ولو لم يكن ذا بدعة، ومن شُهر بالبدعة اتّهمناه أن يفعل هذا، وإن لم يفعله؛ لثبوت فسقه ببدعته. وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: رجلٌ مُعلنٌ بفسقه، وإن كان أروى الناس، ورجلٌ يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتّهمه على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل (١)، لا يَعلَم ما يُحدّث به. انتهى كلام القاضي (٢).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في الرواية عن المبتدعة، وأن الحقّ أنه لا تردّ رواياتهم على الإطلاق، ولا تُقبل على الإطلاق، بل لا بدّ من التفصيل، فننظر أنه إن كُفّر ببدعته بأن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، فلا يؤخذ بروايته، وأما من لم يُكَفَّر بها، وانضمّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فيؤخذ بروايته، إن لم يكن داعية، ولم تكن روايته مما يؤيّد بدعته، إلا الرافضة، فلا تقبل روايتهم مطلقًا؛ فقد قال الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطّابيّة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقد أشار إلى هذا السيوطيّ في "ألفية الأثر"، حيث قال:

وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلَا ... ثَالِثُهَا إِن كَذِبًا قَدْ حَلَّلَا

وَغَيْرُهُ يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي ... وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي

قَبُولَهُمْ لَا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا ... لِرَأْيِهِمْ أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا.

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:

٢٨ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: لَقِيتُ طَاوُسًا، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب الحنظلي،


(١) أي له فضلٌ في العبادة والطاعة.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>