للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٢ - حديث «من رأى من أميره ما يكره فليصبر ولا يخلع يدا من طاعة فإن من فارق الجماعة ... » (١).

ولفظ «ما يكره» يدل على أن الكراهة المرئية شخصية، لا ينبني عليها موقف عام؛ لأن الكراهة قد تكون نفسية لا شرعية، وإن كانت شرعية فيحتمل أن يكون مكروها له لما عنده من نظر في الأدلة أو تقليدا، ويخالفه غيره في ذلك.

فإثارة المواقف العامة لأجل اجتهاد شخصي شرعي أو نفسي أو سياسي ممنوع شرعا؛ لأن مفاسده العامة أكثر من مصلحة بيانه وإظهاره.

ويحرم العصيان أو مفارقة الجماعة لأجل ذلك، وللتعليل النهائي في النص بذلك «فإن من فارق الجماعة». والتعليل بـ «الفاء» و «إنَّ» من مسالك العلة القوية، وهو ما يعرف بالمناسبة، أي مناسبة العلة للحكم.

فالحكم هنا: الصبرُ وعدم ترك الطاعة، والعلة أن ذلك مؤدٍ إلى مفارقة الجماعة، وهي أصل من الأصول، والإنكار لمكروه شرعي أو عادي عمله الأمير فرع، ولا يجوز أن يعود الفرع على الأصل بالإبطال.

٣ - وحديث «من أنكر فقد سلم ومن كره فقد برئ ولكن من رضي وتابع» (٢)، وهذا يدل على مباشرة الإنكار على منكر الحاكم، ويحرم الرضى به أو متابعته، والإنكار هنا يفصله حديث: باليد واللسان والقلب (٣).


(١) - أخرجه البخاري برقم ٧٠٥٤ ومسلم برقم ٤٨٩٧، واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية.
(٢) - حديث «من أنكر فقد سلم ... » أخرجه الإمام مسلم برقم ٤٩٠٦ من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال «لا ما صلوا».
(٣) - أخرجه مسلم في الصحيح برقم ١٨٦ عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

<<  <  ج: ص:  >  >>