للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وبإسناد عن عباد قال الأصمعي: كنت مع أبي نواس بمكة فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود.

فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر الأسود.

فقلت: ويلك اتق الله ﷿ فإنك ببلد حرام وعند بيته الحرام.

فقال: ما منه بد.

ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس فوضع خده على خد الغلام فقبله وأنا أنظر فقلت ويلك، أفي حرم الله ﷿.

فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم ثم أنشد يقول:

وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود

فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد

قلت: انظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها إلى الرحمة ونسي شدة العقاب بانتهاك تلك الحرمة.

وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلا زنى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين.

ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له تب إلى الله ﷿.

فقال: إياي تخوفون؟ حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله : «لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» أفترى لا أكون أنا منهم.

قال المصنف : وخطأ هذا الرجل من وجهين: أحدهما أنه نظر إلى جانب الرحمة ولم ينظر إلى جانب العقاب.

والثاني أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب كما قال ﷿: ﴿وإني لغفار لمن تاب﴾ وقال: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ وهذا التلبيس هو الذي أهلك عامة العوام وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة.

<<  <   >  >>