الفعل من مخالفة الشرع، لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ «نهى عن إضاعة المال» ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله ﷿ لا يكرم مخالفا لشرعه.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول: دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال: طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت.
فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي أن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت.
قلت: من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها من حقها من الراحة.
وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فالزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع.
قال: وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل: قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس لعود نفسه بالحلم.
قال: وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا.
قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها.
وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم.
وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه.
وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك.
وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان، وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم.
وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا.