أبى هريرة، وحديث أبى سفيان عن أبى هريرة، وحديث عمران بن حصين في قصة ذي اليدين، قال:"فبهذا كله نأخذ، فنقول: إن حتمًا أن لا يعمد أحدٌ الكلامَ في الصلاة وهو ذاكر لأنه فيها، فإن فعل انتقضت صلاته، وكان عليه أن يستأنف صلاةً غيرها لحديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ما لا أعلم فيه مخالفًا ممن لقيت من أهل العلم".
قال:"ومن تكلم في الصلاة وهو يرى أنه قد أكملها، أو نسي أنه في صلاة، فتكلم فيها بنى على صلاته وسجد للسهو، ولحديث ذي اليدين، وأن من تكلم في هذه الحال فإنما تكلم وهو يرى أنه في غير صلاة، والكلام في غير الصلاة مباح، وليس يخالف حديث ابن مسعود حديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود في الكلام جملة، ودل حديث ذي اليدين على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرق بين كلام العامد والناسي؛ لأنه في صلاة، أو متكلمٌ وهو يرى أنه أكمل الصلاة" [وانظر أيضًا: الأم (٢/ ٢٨٣ - ط. الوفاء)، اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٨ - الأم). جامع الترمذي (٣٩٩)، المعرفة (٢/ ١٩٠)].
وقال في موضع آخر [الأم (٢/ ٢٨٥ - ط. الوفاء)، اختلاف الحديث (١٠/ ٢٣١ - الأم)]: "قال [يعني: المخالف]: ما تقول في إمام انصرف من اثنتين، فقال له بعض من صلى معه: قد انصرفت من اثنتين، فسأل آخرين، فقالوا: صدق؟ قلت [القائل الشافعي]: أما المأموم الذي أخبره، والذين شهدوا أنه صدق، وهم على ذكر من أنه لم يقض صلاته؛ فصلاتهم فاسدة" [وقد أطال ابن خزيمة في بيان هذا المعنى في صحيحه (٢/ ١٢١ - ١٢٤)].
قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٥٠): "وإنما الخلاف بين مالك والشافعي: أن مالكًا يقول: لا يُفسد الصلاةَ تعمد الكلام فيها إذا كان في إصلاحها وشأنها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلا ما روي عنه في المنفرد، وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: أنه إن تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، وإن تكلم ساهيًا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فهذا يبني، ولا يفسد عليه كلامه هذا صلاته.
وأجمع المسلمون طُرًّا أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلى يعلم أنه في صلاة ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته يفسد الصلاة؛ إلا ما روي عن الأوزاعي أنه من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر" [وقال نحوه في الاستذكار مفرقًا (١/ ٥٤٠ و ٥٤٤)].
قلت: قول مالك هو الصواب، ويرد قول الشافعي أن ذا اليدين حين قال: بل نسيت يا رسول الله، كان قد علم أنه في الصلاة، فصار متكلمًا عامدًا وهو يعلم أنه لم تتم صلاته، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، وكذلك من لم يجد بدًا من تنبيه الإمام إلا بالكلام، فلا إعادة عليه، وكذلك فإن عموم حديث ابن مسعود وما كان في معناه من المنع من عمد الكلام؛ مستثنى منه عمد الكلام لإصلاح الصلاة بحديث ذي اليدين، والله أعلم.