صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة.
واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدا يريد به إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، وممن هذا قوله: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. . .
وقالت طائفة: من تكلم في صلاته في أمر عذر فليس عليه شيء"، وذكر قول الأوزاعي ومالك.
° قلت: روى سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، قال: "لو أن قومًا صلى بهم رجل ركعتين، وسلم ساهيًا، فسبحوا به فلم يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تتم فأتم صلاتك، فالتفت إلى القوم فقال: أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، قال: يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم، ويصلون معه بقية صلاتهم، من تكلم منهم ومن لم يتكلم، ولا شيء عليهم، ويفعلون في ذلك ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذي اليدين" [المدونة (١/ ١٣٣)] [قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٤٤) وفي الاستذكار (١/ ٥٤٢): "هذا قول ابن القاسم في كتب المدونة، وروايته عن مالك، وهو المشهور من مذهب مالك، وإياه يقلد إسماعيل بن إسحاق، واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم"] [وقد قام ابن عبد البر بتوجيه قول مالك هذا، والتدليل على صحته فذهب إلى: "أن النهي عن الكلام في الصلاة على ما ورد في حديث ابن مسعود وغيره: إنما خرج على رد السلام في الصلاة، وعلى مجاوبة من جاء فسأل بكم سُبق من الصلاة، وعلى من عرضت له حاجة فأمر بها وهو في صلاة، وقد كان في مندوحة عن ذلك؛ حتى يفرغ من صلاته، فعلى هذا خرج النهي عن الكلام في الصلاة، وجاء خبر ذي اليدين بجواز الكلام في إصلاح الصلاة إذا لم يوجد بدٌّ من الكلام، فوجب استعمال الأخبار كلها، وألا يُسقَط بعضُها ببعض، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذا التخريج والتوجيه، والله أعلم". التمهيد (١/ ٣٤٨)] [وقال أيضًا القرطبي في المفهم (٢/ ١٨٩): "حصل من مجموع هذا الحديث: أن الكلَّ تكلموا في الصلاة بما يصلحها، ثم من بعد كلامهم كمل الصلاة، وسجد، ولغا كلامهم، ولم يضر، فصار هذا حجة لمالك"، إلى أن قال: "والصحيح: ما ذهب إليه مالك تمسكًا بالحديث، وحملًا له على الأصل الكلي؛ من تعدي الأحكام، وعموم الشريعة، ودفعًا لما يتوهم من الخصوصية؛ إذ لا دليل عليها، ولو كان شيء مما ادعي لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز إجماعًا، ولكان بيَّنه كما فعل في حديث أبى بردة بن نيار حيث قال:"ضح بها، ولن تجزئ عن أحد بعدك"، والله تعالى أعلم"] [وانظر أيضًا: شرح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٢٢)].
قلت: وما ذهب إليه مالك هو الصواب في هذه المسألة، وفيه استعمال جميع الأدلة، وعدم ضرب بعضها ببعض.
• وقال الشافعي في الأم (٢/ ٢٨١ - ط. الوفاء)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٦ - الأم)، بعد أن أسند حديث ابن مسعود في النهي عن الكلام، وحديث ابن سيرين عن