للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩]، ولا يلي أمرَه إلا الذين هم بأمرِه يَظهَرون، وسار يتقَدَّم أمامَ الخَلْق، وتتقدَّمُه رايةُ الحقّ، فهو على ما وَرَد في وَصْفِه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: ٤٢].

قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: استعمَل الجيلَ بمعنى القَرْن غَلَطًا، وإنّما هو بمعنى الأُمّة، فالعربُ جيلٌ والرُّومُ جيل، وكذلك الفُرْسُ والتُّركُ وغيرُهم. وقدِ استدعَى هذا الفصلُ تبيينَ أمرَيْنِ قد يُشكِلان على بعض مُطالعي هذا الكتاب؛ أحَدُهما: شأنُ هذا المصحف، والثاني: كيفيّةُ الترتيبِ الذي أشار إليه الشّيخ أبو المُطرِّف في هيئة هذا البُروز:

أمّا المصحفُ فإنّ أبا محمد عبدَ المؤمن بنَ عليّ وآلَه من بَنيه وأتْباعَهمِ كانوا يُصرِّحونَ بمُعتقَدهم فيه أنّه الإمامُ مصحفُ أميرِ المؤمنينَ عثمانَ بن عفّان رضيَ اللهُ عنه، وعلى ذلك كان إطباقُ أهل الأندَلُس، فقد قال الرازي في "تاريخِه": وفي يوم الأحد لثمانٍ خَلَوْنَ من جُمادى الآخِرة سنة أربع وخمسينَ وثلاث مئة احتُملَ المصحفُ المرَتَّبُ في جامع قُرْطُبةَ لقراءةِ الإمام فيه صَبيحةَ كلِّ يوم بعدَ صلاة الصّبح، وهو مصحفُ أميرِ المؤمنين عثمانَ بن عفّان رضي اللهُ عنه. وممّا خَطَّه بيمينِه إلى دار صاحب الصّلاة محمدِ بن يحيى ابن الخَرّاز (١) عن عهدِ أميرِ المؤمنين أبقاه اللهُ احتراسًا به وتحَفِّيًا عند فَتْح الحَنايا التي يُفضي منها إلى موضع الزِّيادة التي زادها أعزَّه اللهُ في الجامع، وكان فتَحَها في هذا التاريخ.

وقد ذكَرَ التأريخيُّ الحافظُ الحافلُ أبو مَرْوانَ حَيّانُ بن خَلَف بن حَيّان في كتابِه "المقتبِس" [كلامًا] (٢) نمَّقَه بحُسن عبارته المعهود من كلام الرازي في ذكْرِه نقَلْتُه من خطِّ الراوِيهَ أبي القاسمِ ابن بَشْكُوال، وهو: ولمّا احتيجَ في هذا الوقت إلى خَرْق سُورِ القِبلة المقدَّمة لهذه البِنْية الحكميّة لاتّصال قِطَع بُنَى المسجدِ بعضها ببعض واتّساقِها، احتُملَ المصحفُ المدعوُّ بالإمام المُختزَن كان بمقصورةِ


(١) ترجمته في تاريخ ابن الفرضي (١٣٢٣) وفيه: وولي الصلاة بقرطبة.
(٢) زيادة متعينة.

<<  <  ج: ص:  >  >>