(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتْبَعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَأَنَّك مُقْفِرٌ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت سَمْنًا وَلَا لُكْت أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ) .
ــ
[المنتقى]
بِهِ وَمُبَادَرَتَهُ إلَى مُشَارَكَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لَهُ جُوعَهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْرِيضِ لِمَعْرُوفٍ يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّهُ كَانَ يَسْتَقْرِئُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْآيَةَ يَحْفَظَهَا لِيُطْعِمَهُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ شِدَّةِ جُوعِهِ وَكَانَ يُمْسِكُ عَنْ سُؤَالِهِمْ وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ صَدِيقَهُ لِيُضَيِّفَهُ فَيُكْرِمَهُ وَيُطْعِمَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ يُعْمَلُ وَقَامَ فَذَبَحَ شَاةً يُرِيدُ أَنَّهُ هَيَّأَ ذَلِكَ لِطَعَامِهِمْ وَجَعَلَهُ قِرًى لَهُمْ فَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً يُرِيدُ اجْتَلَبَهُ عَذْبًا وَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ لِيَبْرُدَ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إصْلَاحِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَطْيِيبِهِ بِإِتْحَافِ الضَّيْفِ وَالصَّدِيقِ بِأَفْضَلِ مَا يَجِدُهُ مِنْهُ وَقَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ نَبِيِّهِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّهُ رَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعَجِلٍ سَمِينٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ يُرِيدُ ذَاتَ اللَّبَنِ وَالدَّرُّ اللَّبَنُ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ لَهُ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي صَلَاحِ تَطْيِيبِ طَعَامِهِمْ وَتَبْقَى مَنْفَعَةُ هَذِهِ لِقُوتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ قِيلَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: إنَّهُ سُؤَالُ امْتِنَانٍ لَا سُؤَالُ حِسَابٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سُؤَالَ حِسَابٍ دُونَ مُنَاقَشَةٍ وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَاذَا تَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِوَجْهٍ مُبَاحٍ، أَوْ بِمَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ بِمَحْظُورٍ، أَوْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَنَاوَلُوهُ وَعَنْ قَدْرِ مَا تَنَاوَلُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ يُثِيبُهُمْ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى مَا أَتَوْا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ تَنَاوُلِهِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدَهُ فِي آخِرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَرِهَ مَالِكٌ غَسْلَ يَدِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَرَآهُ مِنْ فِعْلِ الْعَجَمِ قَالَ: وَيَغْسِلُ يَدَهُ بَعْدَ الطَّعَامِ وَيُمَضْمِضُ مِمَّا لَهُ دَسَمٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ النَّظَافَةِ مَشْرُوعَةٌ كَالسِّوَاكِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ بَعْدَ الطَّعَامِ فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيَغْسِلُ يَدَيْهِ بِالدَّقِيقِ فَقَالَ غَيْرُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْهُ وَلَوْ فَعَلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَشِبْهِ ذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَدَلَّكَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ وَقَدْ يَدْهُنُ جَسَدَهُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتِ مِنْ الشِّقَاقِ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِالدَّقِيقِ وَالنُّخَالَةِ وَالْفُولِ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ إنْ أَعْيَاهُ شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالتُّرَابِ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ إيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَأَمْرَ الْأَعَاجِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَأْكُلُ جَالِسًا وَلَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ وَالتَّعَاظُمِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ قِيلَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفَيَأْكُلُ وَيَدُهُ يَضَعُهَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: أَنَا أَتَّقِيهِ وَمَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ طِيبِ الْأُدْمِ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ تَوَاضُعًا بِمُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ آدَابَ الْأَكْلِ كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُؤَاكَلَتِهِ فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك وَلَعَلَّهُ قَصَدَ أَيْضًا أَنْ يَتَعَرَّفَ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ وَيَتْبَعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِالصَّحْفَةِ مِنْ دَسَمِ الطَّعَامِ وَالْوَدَكِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ السَّمْنِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلَانِهِ