للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ) .

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ فَذَهَبُوا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً فَعَلَّقَ فِي نَخْلَةٍ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ» ) .

ــ

[المنتقى]

عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظَةُ قَاتَلَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِنْ اثْنَيْنِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ تَلَاعَنَ الزَّوْجَانِ إذَا وُجِدَتْ الْمُلَاعَنَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ تَجِيءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُفَاعَلَةُ مِنْ الْوَاحِدِ يُقَالُ قَاتَلَهُ اللَّهُ بِمَعْنَى فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ وَمِنْهُ سَافَرَ الرَّجُلُ وَعَالَجْتُ الْمَرِيضَ.

(فَصْلٌ) :

ثُمَّ ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَهُمْ الَّذِي عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَنِهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِمَّا مُعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ الْأَكْلُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِهِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَلَا ثَمَنِ الْخِنْزِيرِ وَلَا الْمَيْتَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَأَمَّا مَا لَهُ مَنْفَعَةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ كَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

(ش) : قَوْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَا بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهُوَ الْخَالِصُ الَّذِي لَمْ يُمَازِجْهُ شَيْءٌ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ يُرِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهُوَ مُبَاحٌ كَمَاءِ الْأَنْهَارِ وَقَوْلُهُ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ يُرِيدُ فَتَقَوَّتُوا بِهِ وَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ فَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ وَتَبْقَى بِهِ الْحَيَاةُ؛ لِأَنَّ الشَّعِيرَ أَقَلُّ الْأَقْوَاتِ وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ فَنَهَاهُمْ عَنْ الْبُرِّ خَاصَّةً حَضًّا عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيمَا زَادَ عَلَى يَسِيرِ الْأَقْوَاتِ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ وَلَا سِوَاهُمْ لَا يَقُومُ بِشُكْرِ الْمَاءِ وَالْبَقْلِ وَلَكِنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَنْصَرِفَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ إلَى الْبُرِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْمَاءِ وَالْبَقْلِ وَالشَّعِيرِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِشَرِيعَتِنَا فَإِنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يُصْلِحُهُ هَذَا فَيَنْدُبُ إلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصْلِحُهُ غَيْرُ هَذَا فَيَأْخُذُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

(ش) : سُؤَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا أَخْرَجَكُمَا وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُرُوجًا أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ خُرُوجٍ مُعْتَادٍ، أَوْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَخَوَّفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا أَخْبَرَا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مِنْ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُمَا الْجُوعُ وَأَخْبَرَهُمَا هُوَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِخْبَارِ عَمَّا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِ الْجُوعِ، أَوْ الْمَرَضِ لَا سِيَّمَا إذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ إشْفَاقَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَرْجُو مَنْفَعَةً مِنْ عِنْدِهِ مِنْ دُعَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ إعْلَامَهُ بِحَالِهِ لِيَأْخُذَ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: وَارَأْسَاهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَلْ أَنَا وَارْأَسَاهُ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ بِأَنَّ لَك الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّشَكِّي وَالْجَزَعِ وَقِلَّةِ الرِّضَى عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا قَضَى بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

(فَصْلٌ) :

وَقَوْلُهُ فَذَهَبُوا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبُو الْهَيْثَمُ هُوَ مَالِكٌ وَيَقْتَضِي أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَيْهِ لِيُطْعِمَهُمْ مَا بِهِ يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ قَصْدِ الْمُؤْمِنِ إلَى صَدِيقِهِ الَّذِي يَعْلَمُ سُرُورَهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>