وإنما قلت بأن الوهم فيه من شعبة، وأنه قد رواه مرة على الصواب، ومرة على الخطأ؛ لما تقدم ذكره، ولأن شعبة قد وقع له الوهم في بعض المتون، ونضرب لذلك مثالًا:
فقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركةً في دُبُره: أحْدَث أو لم يحدِث؟ فأشكل عليه: فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا".
أخرجه مسلم (٣٦٢)، وهكذا رواه عن سهيل عامة أصحابه الثقات: جرير بن عبد الحميد، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وخالد بن عبد الله الواسطي، وزهير بن معاوية، وعلي بن عاصم، وغيرهم.
وخالفهم شعبة: فرواه عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا وضوء الا من صوت أو ريح"، هكذا اختصره شعبة.
قال أبو حاتم: "هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث، فقال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح"، ورواه أصحاب سهيل عن سهيل ... " فذكره [العلل (١/ ٤٧/ ١٠٧)] [وانظر بقية أقوال أهل العلم في الحديث: في الحديث السابق برقم (١٧٧)].
ثم إني وجدت من جزم بوهم هذه الرواية، فقد نقل ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤/ ٢٢٩) عن الداودي توهيم هذه الرواية، حيث قال: "وقوله: فرآها عليه: قال الداودي: هو وهم، وقد سلف في العيد أنه أعطاها له، فقال: كسوتنيها، ... " وذكر الحديث، قلت: أصرح رواية في بيان ذلك رواية جرير بن حازم عن نافع [عند مسلم،، وفيها: فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: يا رسول الله! بعثت إليَّ بهذه، وقد قلتَ بالأمس في حلةِ عطاردٍ ما قلتَ؟ ... الحديث، والله أعلم.
٣ - ورواه إسحاق بن سليمان الرازي، وعبد الله بن الحارث المخزومي، ومكي بن إبراهيم البلخي، وروح بن عبادة [وهم ثقات]:
قالوا: حدثنا حنظلة [بن أبي سفيان]: سمعت سالمًا، يقول: سمعت عبد الله بن عمر، يقول: إن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحلة إستبرق، فقال: يا رسول الله! لو اشتريت هذه الحلة تلبسُها إذا قدم عليك وفود الناس؟ [وفي رواية: اشترها، فالبسها يوم الجمعة، وحين يقدم عليك الوفد]، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له"، ثم أُتي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بحلل ثلاث، فبعث إلى عمر بحلة، وإلى علي بحلة، وإلى أسامة بن زيد بحلة.
فأتى عمر - رضي الله عنه - بحلته النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! بعثت إليَّ بهذه، وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: "إنما بعثت بها إليك لتبيعها، أو تشققها لأهلك خمرًا".
قال إسحاق في حديثه: وأتاه أسامة وعليه الحلة، فقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتبيعها"، ما أدري أقال لأسامة: "تشققها خمرًا"؟، أم لا؟.
وفي رواية عبد الله بن الحارث: وأتاه أسامة وقد لبسها، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،