للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السُّقيا تنتهي إليك، وتستَهِلّ حوالَيْك لا عليك، فإنْ كنتُ قد دعَوْتُ بأنْ تُروَى الضُّلوع الحِرَار، وتَرضَى الصَّفوةُ الأبرار، فالدعوةُ بحمدِ الله مُجابة، والدِّيمةُ لا مُقلِعةٌ ولا مُنْجابة، نشَأَتْ بَحْريّة لأعظم البحار هي منسوبة، بَرِّيةً لأنّها من جانبِ البرِّ مجلوبة، تُعَدُّ كوْنيّةً عند مَن يعقِلُ ويُحصِّل، كَوْثَريّةً لأنّ ماءها إلى الكوثرِ يوصِل، وكيف لا ومِسياله (١) إلى شَطرِ الإيمان وسيلة، وغَرفاتُه للغُرّةِ والتَحْجيل مطيلة، والنظرُ إليه كاستعمالِه عبادة، وخروجُ الخطايا معَ آخِر قطرةٍ فضيلةٌ من الخبَرِ مستفادة، فما أعظمَ مِنّةَ جالبِه، وأجَلَّ قَدْرَ هِبتِه من مواهبِه، وأحراهُ بأن يكونَ له من ثواب المتطهِّرينَ واللهُ يحبُّهم، وفي حِزبِه هو حِزبُهم ما يَرفَعُه إلى الدّرجاتِ العُلى، ويُزَيِّنُه من شَرَفِ الذِّكر الحُلى، ويَجزيه عن كلِّ كبِدٍ رَطْبة سَقاها، ومشقّة صعبةٍ وَقَاها، بكلِّ صعبةِ أجرًا يقودُ إليه منه أفضلَ إلف، ويضاعفُه إلى مئة ألفِ ضِعف، بل يتعدَّدُ بتعدُّد وارديهِ على الأنام، ومشاهديه معَ الأيام والأعوام، {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: ٢٦١]، وينابيعُ جُودِه لا يَغيظُها الصّباحُ والمساء (٢).

وقطعةٌ من رسالة أجاب بها أبا العباس ابنَ أُميّةَ وقد أعلَمَه باستيلاءِ الروم قصَمَهم اللهُ على بَلَنْسِيَةَ رجَعَها الله (٣):

بالله، أيَّ نحوٍ ننحو، وسطورٍ نُثبتُ أو نمحو، وقد حُذِف الأصلُ والزائد، وذهبتِ الصِّلةُ والعائد، وبابُ التعجُّب طال، وحالُ اليأس لا تخشَى الانتقال، وذهَبَت علامةُ الرفع، وفُقِدت سلامةُ الجمع، والمعتَلُّ أعدى الصّحيح، والمُثلَّثُ أردى الفصيح، وامتَنعتِ العُجْمةُ من الصَّرف، وأمِنتْ زيادتُها من الحذف، ومالت قواعدُ المِلّة، وصِرنا إلى جَمْع القلة؟


(١) في رفع الحجب: "ومسيله".
(٢) انظر رسالة ابن الأبار في الموضوع نفسه في أزهار الرياض ٣/ ٢١١ كما قصر حازم قسمًا من مقصورته على الإشادة به.
(٣) وردت في رسائله: ٢٠٥ (مخطوط)، والروض المعطار (٥٠)، والإحاطة ١/ ١٧٦ وغيرها.

<<  <  ج: ص:  >  >>