للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أرتحل فأدركهم وليتنى، فعلت فلم يقدّر لي ذلك.

فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزننى، لأننى لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس، ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظر في عطفه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وإذا كان كعب بن مالك، قد ذكر في بعض قصة تخلفه الحقيقة في صدق المؤمن وإيمان الصادق بأن لا عذر له في التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن صاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع لم يكونا بأقل منه مستوى من حيث الصراحة مع أنفسهما ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صدقاه الحديث بأنهما لم يكن لهما عذر في التخلف، فعلم الله ما في أنفس الثلاثة فتاب سبحانه وتعالى عليهم جميعًا.

ولنترك هلال بن أمية يحدثنا قصته وقصة زميله مرارة بن الربيع. قال هلال بن أمية حين تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك: والله ما تخلفت شكا ولا ارتيابا، ولكن كنت مقويا في المال. قلت: اشترى بعيرًا، ولقينى مرارة بن الربيع، فقال: أنا رجل مقو فأبتاع بعيرًا وأنطلق به. فقلت: هذا صاحب أرافقه، فجعلنا نقول نغدو فنشترى بعيرين فنلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يفوت ذلك، نحن قوم مخفّون على صدر راحلتين فغدا نسير فلم نزل ندفع ذلك ونؤخر حتى شارف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البلاد. فقلت: ما هذا بحين خروج، وجعلت لا أرى في الدار ولا في غيرها إلا معذورًا أو منافقا معلنا فأرجع مغتمًا بما أنا فيه، وكان أبو خيثمة قد تخلف معنا، وكان لا يتهم في إسلامه ولا يغمص عليه فعزم على ما عزم، وكان أبو خيثمة يسمى عبد الله بن خيثمة السالمى، فرجع بعد أن سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل على امرأتين له في يوم حار فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماءًا وهيأت له فيه طعامًا. فقال: سبحان الله، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له من ذنبه ما تقدم

<<  <  ج: ص:  >  >>