ثم أنظر إليه كيف أخذ يقاومها فقال:"وحينئذ فتكون قراءة القرآن في تلك المواطن إما مكروهة وإما مباحة غير سنة، فتكون مندوبة في جميعها وإما مندوبة في بعضها دون بعض".
إذا كان ترك القراءة هو السنة، فالقراءة قطعا بدعة إذ ما فعله النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من القربات ففعله سنة وما تركه مما يحسب قرابة مع وجود سببه فتركه هو السنة وفعله قطعا بدعة. والقراءة في هذه المواطن الثلاثة التي حسب أنها قربة قد وجد سببها في زمنه فمات الناس وشيع جنائزهم وحضر دفنهم، ولم يفعل هذا الذي حسب- اليوم- قربة ومن المستحيل- شرعا- أن يترك قربة مع وجود سببها بين يديه ثم يهتدي إليها من يجيء من بعده ويسبق هو إلى قربة فاتت محمدا- صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه والسلف الصالح من أمته. ولا يكون الإقدام على إحداث شيء للتقرب به مع ترك النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- له مع وجود سببه إلا افتئاتا عليه وتشريعا من بعده وادعاءً - ضمنيا- للتفوق عليه في معرفة ما يتقرب به والحرص عليه، والهداية إليه، فلن يكون فعل ما تركه- والحالة ما ذكر- من المباحات أبدا بل لا يكون إلا من البدع المنكرات. فبطل قوله:"وإما مباحة غير سنة".
بعد هذه المقاومة بالباطل فرع عليها مقاومة بالتناقض فقال:"فتكون مندوبة في جميعها وإما مندوبة في بعضها".
أفيجهل أحد أن المباح هو ما استوى فعله وتركه وأن المندوب هو ما ترجح فعله على تركه. أو أن المباح من حيث ذاته غير مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك، وأن المندوب مطلوب الفعل فكيف يتصور أن القراءة إذا كانت مباحة تكون مندوبة في الجميع أو في البعض، أم كيف يتفرع الضد عن ضده؟؟ ولما ثبت أن ترك القراءة هو السنة وأن القراءة بدعة فأقل ما يقال فيها أنها مكروهة، ولا خلاف بين