لا يعمل به، وهو النفي من الأرض، أي من وجه الأرض؛ لأنه يتحقق ما دام حيا. وإن حمل على بعضها وهي بلدته لا يحصل به المقصود، وهو دفع أذاه عن الناس؛ لأنه إذا كان ذا منعة يقطع الطريق فيما يصير إليه من البلدة الأخرى فعملنا بمجازه وهو الحبس؛ فإنه قد يطلق عليه أنه خارج من الدنيا، قال صالح بن عبد القدوس فيما ذكره الشريف في الغرر:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ولما رأى مالك - رضي الله عنه - أن مجرد النفي لا يفيد في المقصود قال: يحبس في بلدة النفي، ومعلوم أن المقصود لا يتفاوت بالحبس في بلدة النفي وغيرها، فيقع تعيين بلدة النفي في غير القاعدة المطلوبة.
(قوله: والرابعة) أي من أنواع هذه الجناية، (ما إذا قتلوا وأخذوا المال، فالإمام بالخيار، إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم) بلا صلب وقطع، (وإن شاء صلبهم) أحياء ثم قتلهم. وهذا قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا بد من الصلب للنص في الحد. ولا يجوز ترك الحد كالقتل. وبه قال الشافعي وأحمد أجاب بأن أصل التشهير يحصل بالقتل والمبالغة بالصلب. ولم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - صلب العرنيين ولا غيره صلب أحدا. ومع أن ظاهر النص لا يحتم الصلب. فإن قوله:{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا}(١) إنما يفيد أن يقتلوا بلا صلب، أو يصلبوا بلا قتل. لكن يقتل بعد الصلب مصلوبا بالإجماع. وقال محمد: لا يقطع ولكن يقتل أو يصلب. وفي عامة الروايات من المباسيط وشروح الجامع الصغير ذكر أبو يوسف ومحمد - وبه قال مالك -: إن كان القاطع ذا رأي، والشافعي وأحمد مع أبي يوسف في أنه لا بد من الصلب، ومع محمد في أنه لا يقطع.
(وجه قولهم: أنه جناية واحدة، هي جناية قطع الطريق فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس في باب الحد يدخل في النفس كحد السرقة والرجم) إذا اجتمعا، بأن سرق المحصن ثم زنى؛ فإنه يرجم ولا يقطع اتفاقا (ولهما) أي لأبي حنيفة وأبى يوسف - وهذا على اعتبار أبي يوسف مع أبي حنيفة لا مع محمد - (أن هذه) الجناية وإن كانت واحدة باعتبار أنه قطع الطريق فهذا المجموع من القطع والقتل أيضا (عقوبة واحدة، وإنما تغلظت لتغلظ سببها)، حيث بلغ النهاية في تفويت