سَنَدِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْجُوَيْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ ظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ قُوَّتُهُ وَصَلَاحِيَّتُهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ (الثَّانِي:) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ، وَلَا غَيْرِهِ (قُلْت:) يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى؛ لِأَنَّ الْعِرَاقِ لَمْ تُفْتَحْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ حَتَّى يَكُونَ إهْلَالًا شَائِعًا ذَائِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ بَيَانًا لِمَا سَيَكُونُ وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ، كَمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رُوِيَ لَهُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمْرُ الْجَدَّةِ حَتَّى رُوِيَ لَهُ حُكْمُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) فَيُحْمَلُ تَوْقِيتُ سَيِّدِنَا عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَوَقَّتَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ فَوَافَقَ نَصَّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى وَفْقِ قَوْلِهِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ قِيلَ: فَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا مُشْرِكِينَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِيقَاتٌ (قُلْنَا) عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ نَفْسِهَا وَالثَّانِي: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عُلِمَ أَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ كَمَا يُسْلِمُ أَهْلُ الشَّامِ وَكَمَا قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ» انْتَهَى.
(قُلْت:) يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلَمْ تَكُونَا فُتِحَتَا، فَكَذَلِكَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ، وَقَدْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَيُفْتَحُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَقَالَ: «سَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» وَكَمَا أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُغَيَّبَاتِ، وَقَدْ ضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيّ الْحَدِيثَ بِمَا تَقَدَّمَ أَعْنِي كَوْنَ الْعِرَاقِ لَمْ تُفْتَحْ حِينَئِذٍ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَحَبَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ الْعَقِيقِ لِحَدِيثِ أَبِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَتَيْنِ أَوْ مَرْحَلَةٍ وَالْعَقِيقُ كُلُّ وَادٍ نَسَفَتْهُ السُّيُولُ، وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ تُسَمَّى بِالْعَقِيقِ عَدَّهَا بَعْضُهُمْ عَشْرَةً، وَوَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ نُصُوصِ الْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ إذَا جَاوَزُوا الْعَقِيقَ وَأَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كَانَ الْعَقِيقُ مِيقَاتًا لَهُمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الدَّمُ بِتَرْكِهِ (قُلْت:) وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَقَدْ ضَعَّفُوهُ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاقِيتَ الْخَمْسَةَ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ: -
عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِيّ ... وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِيُّ
وَالشَّامِيُّ جُحْفَةُ إنْ مَرَرْتَ بِهَا ... وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنُ فَاسْتَبِنِ
وَلَمْ يُنَوِّنْ الْجُحْفَةَ، وَلَا " قَرْنُ " اهـ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمَوَاقِيتِ: يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُنَّ لَهُنَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَذَا جَاءَتْ الرِّوَايَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ يَعْنِي أَنَّهُ بِالتَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ: لَهُنَّ قَالَ: وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ هُنَّ لَهُمْ يَعْنِي بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَالَ: وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَهُنَّ عَائِدٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ وَالْأَقْطَارِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَالشَّامُ وَالْيَمَنُ وَنَجْدٌ أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِهَذِهِ الْأَقْطَارِ، وَالْمُرَادُ لِأَهْلِهَا فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: هُنَّ بِالتَّأْنِيثِ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَمَا جَاوَزَ