للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بينهما عند الشافعي، فما يُدريه لعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل إلينا.

واحتج أيضًا بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لعمر: "فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك"، ولم يذكر له عدد الطلاق (١)، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعَلَّمَه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العددَ، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعَرَفه.

واحتج أيضًا بحديث رُكانة، وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سأله: "ما أردت؟ " (٢)، وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع ولا تلزم (٣)، وانما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يُعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا، فأما تَعَرُّف ما أراد ليَلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السُّنة ويُطلِّق للبدعة.

فأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طُهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه، وعلى أنه جَوَّزَه للسُّنة مع تقديم ذِكر ما يقوله للسُّنّة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدةً للسّنّة وضدُّها للسُّنّة، هذا ما يستحيل في العقول.

وقال أبو حنيفة أيضًا: إن الأقراء الحِيض (٤)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في "سورة البقرة".


(١) الأم (٥/ ١٩٣) (ط المعرفة).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده (٣٩/ ٥٣٢)، وأبو داود في سننه برقم ٢٢٠٦، كتاب: الطلاق، باب: البتة (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه في سننه برقم ٢٠٥١، أبواب: الطلاق، باب: طلاق البتة، واحتجاج الشافعي به ينظر في الأم (٥/ ١٩٣) (ط المعرفة).
(٣) عزا ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٨) عدم وقوع طلاق الثلاث ولزومه للحجاج بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق وقال: "وكلاهما ليس بفقيه، ولا حجة فيما قاله".
(٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥)، والاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٤٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>